"صرخة أيقظت اللعنة"
عادت إيفلين أخيرًا إلى منزلها بعد أن تجوّلت في شوارع لندن ليلًا، دون هدف، دون حياة، دون أمل.
للمرة الأولى في حياتها، شعرت باليتم الحقيقي، بأنها وحيدة في هذا العالم الفسيح. لقد مات كل شيء جميل بداخلها منذ هذا اليوم المشؤوم.
أخرجت المفتاح من حقيبتها بأصابع مرتعشة من البرد والإرهاق، رفعته بحركة آلية، ودفعته نحو القفل.
أدارته ببطء، وانفتح الباب بصرير خافت، كأنه يتنهد بدلًا عنها.
دخلت إلى الداخل بجسد على حافة الانهيار.
كل خطوة تنمّ عن تعب لا مثيل له. ليس تعبًا جسديًا فحسب، بل تعب روح أُنهكت حتى النخاع.
كانت تحيي ذاتها سرًا على هذا التماسك الهش الذي لا يزال يُبقيها واقفة على قدميها، رغم كل ما مرّت به في هذا اليوم الملعون.
يا الله... لطفك بها.
ألقت حقيبتها بإهمال على أريكة غرفة المعيشة، وخلعت معطفها الثقيل بحركة بطيئة، ثم علّقته على الشماعة في الزاوية.
انهارت على الأريكة بثقل كل ما مرّت به اليوم.
أسندت رأسها على حافة الأريكة، وظلّت هكذا لدقائق لا تعلم عددها.
أغمضت عينيها بقوة، تعتصرهما وكأنها تحاول طرد الصور التي تطاردها.
لا تريد أن تفكر في شيء الآن، مطلقًا.
زفرت نفسًا عميقًا خرج من شفتيها على دفعات متقطعة، كأنها تحاول طرد السمّ من جوفها.
ابتلعت غصّة مريرة علقت في حلقها.
سقطت دمعة ساخنة واحدة من عينيها الفيروزيتين.
أفاقت من شرودها على رنين هاتفها المزعج.
فتحت عينيها ببطء، ومسحت دمعتها بظهر يدها.
الآن ليس وقت الانهيار.
يجب أن تفعل شيئًا أولًا.
تجاهلت رنين الهاتف تمامًا، كما ستتجاهل أشياء كثيرة بعد اليوم. لقد اكتفت من الصدمات في هذا اليوم الواحد.
نهضت بهدوء مصطنع، واتجهت نحو غرفتها لتأخذ حمامًا دافئًا. تركت الهاتف يرنّ دون هوادة، لم تكترث له، ولم تتفقد هوية المتصل.
بعد ساعة كاملة...
خرجت من الحمام لافّةً جسدها بفوطة ناعمة.
اتجهت كالآلة صوب خزانتها، وأخرجت منها ملابس نوم خفيفة. ارتدتها بشرود تام.
لم تكن تشعر بشيء.
لا بالبرد الذي يتسلل عبر النوافذ، ولا بأي إحساس آخر. كأن كل مشاعرها قد تجمّدت دفعة واحدة.
ربما تجمّدت كل أحاسيسها. شعرت أنها مجرد جسد بلا روح، قالب فارغ يتحرك بلا هدف.
هذا كل ما تشعر به الآن. أو ربما... هذا كل ما تستطيع أن تصف به حالها في هذه اللحظة المظلمة.
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
ــــ يا جيلان... هل ردّت عليكِ إيفلين؟
نطقت الجدة نظمية الكلمات بنبرة يشوبها القلق، وهي تجلس بجوار حفيدتها على الأريكة الوثيرة في صالة المنزل ذات الأثاث البسيط الأنيق.
كانت أصابعها المرتعشة تعبث بطرف وشاحها، وعيناها لا تفارقان وجه جيلان المتوتر.
التقطت جيلان أنفاسها قبل أن تجيب، محاولةً أن تخفي ما يعتصر قلبها من قلق كي لا تزيد من توتر جدتها.
أمسكت هاتفها بيد ترتجف قليلًا وعاودت الاتصال للمرة... لم تعد تذكر كم مرة اتصلت.
ــــ كلا يا جدتي، لم ترد بعد، ولم تُلغِ المكالمة حتى... الهاتف يرنّ فحسب.
توقفت لحظة، ثم أردفت بنبرة قلقة:
ــــ وهذا ليس من طبعها إطلاقًا. إيفلين، حتى وإن كانت منشغلة، تبعث إليّ برسالة تطمئنني بها على الأقل.
رفعت الهاتف مجددًا وهمست:
ــــ سأتصل بها الآن... يا رب أن ترد هذه المرة، فربما لم تسمع رنين هاتفها.
صمتت وهي تحدق في شاشة الهاتف المضيئة، تراقب اسم إيفلين وهو يومض مع كل رنّة.
تنهّدت الجدة نظمية بعمق، وتجعّد جبينها أكثر:
ــــ يا رب يا بُنيتي، أنا قلقة عليها جدًا... أتمنى أن تكون بخير.
نظرت إلى الساعة الحائطية بعينين قلقتين:
ــــ الآن الثانية عشرة والنصف، لا بد أنها عادت من عملها منذ ساعة على الأقل، فهي تنصرف مبكرًا عادةً.
شدّت على يد حفيدتها بحنان ممزوج بتوتر:
ــــ حاولي مرة أخرى يا حبيبتي، واصلي الاتصال بها ولا تتوقفي حتى ترد عليكِ.
وضعت جيلان الهاتف على الطاولة الصغيرة أمامهما لبرهة، ونهضت لتحضر كوبًا من الماء.
عادت وناولته لجدتها مع علبة الدواء الصغيرة، قائلةً بصوت تحاول فيه أن تبدو هادئة:
ــــ حسنًا يا جدتي، خذي هذا دواؤكِ، نسيتِه مع كل هذا القلق.
انتظرت حتى تناولت الجدة الحبّة، ثم أضافت بنبرة تحاول فيها الطمأنة:
ــــ حاولي أن تهدئي يا جدتي. غالبًا عادت إلى منزلها منهكة القوى، فاستسلمت للنوم فور وصولها...
رفعت حاجبيها بمرح مصطنع وأضافت:
ــــ والآن تغطّ في نوم عميق، تحلم أنها تتناول الكنافة والقطايف مع الملائكة الكرام! وتشكو لهم من مديرها! وتخبرهم كم نحن مزعجون عندما نقلق عليها!
حاولت أن ترسم ابتسامة خفيفة على وجهها رغم الثقل الذي يجثم على صدرها.
عندما لاحظت هدوء جدتها قليلًا، أو هكذا ظنّت:
ــــ وأيضًا... أنتِ تعرفين مديرها جيدًا، ذلك المتسلط. أكيد حملها من الشغل ما يكفي لإنهاك فيل.
هزّت رأسها بتذمّر حنون وتشدّقت بـ:
ــــ ونحن هنا نكاد نُصاب بالجلطة من القلق على هذه المجنونة الصغيرة! أعرفها حقّ المعرفة، هذه تجعلنا نفقد عقولنا قلقًا عليها، ثم تأتي غدًا بوجهها البريء وعينيها الفيروزيتين الواسعتين، تحدق فينا كالقطط الصغيرة المسكينة. وكأن الدنيا بألف خير!
رفعت إصبعها بحزم ممزوج بمرح:
ــــ في الغد، يجب أن توبّخيها جيدًا وتعاتبيها بشدة... ولا تذوبي أمام نظراتها الخادعة كما تفعلين دائمًا! وإلا سأتولى أنا الأمر وأعاقبها بحرمانها من محاشيكِ الشهية التي تعشقها!
أنهت حديثها بابتسامة شاحبة، تحاول أن تبدو مطمئنة أمام جدتها، آملةً أن تخفف كلماتها من توترها.
لكن القلق كان ينهش قلبها بصمت. مع كل لحظة تمرّ دون ردّ، كان الخوف يتفاقم في صدرها.
إيفلين، صديقتها وأختها الروحية التي وعدتها بالمجيء اليوم... لم تأتِ. لم تردّ. لم ترسل أي شيء.
كأنها تبخّرت في الهواء.
ــــ يا رب يا بُنيتي، يا رب... أتمنى أن يكون كلامكِ صحيحًا، وأن يكون قلقي هذا بلا سبب.
كرّرت الدعاء كمن يتشبث بحبل أخير، وصوتها يكاد ينكسر.
ثم أمسكت بتسبيحها وأخذت تدير حبّاتها بأصابع مرتعشة:
ــــ لكن قلبي يؤلمني من القلق عليها... قلبي معكِ يا إيفلين، يا حبيبة القلب... لا تتركي الهاتف يا روحي... استمري بالاتصال حتى تسمعي صوتها.
ـــ لا تقلقي يا جدتي، أرجوكِ. عسى أن يكون خيرًا... إن شاء الله تكون بخير.
قالتها بصوت هادئ، لكن نبرتها كانت تفتقر إلى اليقين الذي حاولت إظهاره.
وهي تضغط على اسم إيفلين، استمعت إلى رنين الانتظار الطويل الرتيب، وفي قلبها دعاء صامت يتصاعد مع كل نغمة:
"يا رب... ردي يا إيفلين... ردي فقط وطمئنينا أنكِ بخير."
لكن الرنين استمر... ولم يأتِ أي ردّ.
آه... أين أنتِ يا إيفلين؟
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
في تلك الأثناء...
بينما كانت إيفلين تقف بجمود أمام سريرها، كان بصرها يتجمّد على تلك الأشياء المتناثرة فوقه.
الأشياء التي كان خطيبها الخائن يجلبها لها دائمًا، تلك الهدايا التي كانت تسعدها حتى الثمالة.
يا له من غباء! يا لها من سذاجة عمياء!
ترمقها الآن بحسرة وألم شديدين، كأنها تنظر إلى شواهد قبر لحياة ماتت اليوم.
تحرّكت بجمود نحو الطاولة الجانبية في غرفتها، وأحضرت علبة كرتونية كبيرة، ووضعتها على السرير بثقل.
ثم أخذت تضع فيها، واحدة تلو الأخرى، تلك الأشياء والهدايا التي كان يجلبها لها في الأعياد والمناسبات وحتى دون مناسبة.
كل قطعة تحمل ذكرى.
كل هدية تحمل وعدًا كاذبًا.
ثم أمسكت آخر شيء بقي على السرير: صورة تجمعهما سويًا.
كانا يضحكان معًا بمرح، وهو يرمقها بنظرة... تلك النظرة التي ظنّتها حبًا خالصًا.
يا له من مخادع كبير.
كيف كان ينظر إليها بتلك النظرة المليئة بالحب، وهو يعلم أنه يخدعها؟
كيف كان يخفي عنها حقيقته؟
أوقعها في شباك حبّه وحنانه في الوقت الذي كانت فيه بأمسّ الحاجة إليه، وهو يعرف تمامًا أنه متزوج من أخرى، وأن امرأته حامل منه في أواخر شهورها، تحتاجه هي الأخرى.
الآن عرفت كل شيء.
الآن فهمت لماذا كان يقطع مكالماته فجأة، لماذا كان مشغولًا عنها دائمًا، لماذا كان يختفي لأيام دون تفسير.
كان معها... ومعها في الوقت ذاته.
لماذا فعل بها هذا؟
ماذا فعلت له حتى يستحق أن يمزّق قلبها بهذه الوحشية؟
حدّقت في تلك الصورة بعينين تلمعان بدموع حبيسة تهدد بالانسكاب في أي لحظة.
وفجأة، كأن شريط ذكرياتهما بدأ يُعرض أمام عينيها الفيروزيتين.
شريط سينمائي قاسٍ لا يرحم.
تذكّرت وعوده الكاذبة، تلك الكلمات المعسولة التي كان يهمس بها في أذنها:
"إيفلين، أنتِ كل ما أملك في هذه الدنيا. بدونكِ، أنا لا شيء."
تذكرت حنانه الزائف الذي كان يغدقه عليها، تلك اللمسات الحانية التي كانت تُذيب قلبها:
"سأحميكِ من كل شيء، يا حبيبتي. لن أدع العالم يؤذيكِ أبدًا."
تذكرت لحظة اعترافه بحبّه لها، تلك اللحظة التي ظنّت أنها بداية حياتها الحقيقية:
"إيفلين... أنا أحبكِ. أنا مجنون بكِ. لم أشعر بهذا من قبل، أقسم لكِ. أنتِ القدر الذي كنت أبحث عنه طوال حياتي."
وتلك الوعود التي كان يُطلقها كلما رأى الشك يتسلّل إلى عينيها:
"سأتزوجكِ قريبًا، أعدكِ. سنبني بيتًا جميلًا، وسننجب أطفالًا يملؤون حياتنا بهجة. فقط امنحيني المزيد من الوقت، يا حبيبتي."
"أنتِ الوحيدة في قلبي، إيفلين. لا توجد امرأة أخرى، ولن تكون هناك أبدًا."
"كل نجمة في السماء تشهد على حبي لكِ. أنتِ نور حياتي، يا أجمل ما رأت عيناي."
كل شيء كان كذبة.
كل كلمة، كل وعد، كل نظرة... كانت خديعة متقنة.
تعرّض الشريط أمام عينيها الفيروزيتين بلا رحمة، حتى انقطع فجأة مع صوت تمزيق حاد.
قطعت الصورة إلى نصفين بحركة عنيفة واحدة، وفصلت صورته عن صورتها، ثم وضعت نصفه مع باقي أشيائه في العلبة الكرتونية.
ليذهب هو وأشياؤه إلى الجحيم.
هي ستنساه... إلى الأبد.
أمسكت بالعلبة الكرتونية بيدين مرتعشتين من الغضب المكبوت، وأخذتها ووضعتها تحت الطاولة، بعيدًا عن نظرها، إلى أن تعيدها له وتغلق هذا الفصل المؤلم من حياتها نهائيًا.
ــــ حقير!
همست بها بحقد وكره دفينين، كأنها تبصق سمًا من بين شفتيها.
ثم سارت نحو خارج الغرفة بهدوء... هدوء مريب ومخيف.
هدوء من لم يعد لديها ما تخسره.
✧༺♡༻∞ ∞༺♡༻✧
في وقت لاحق...
جلست إيفلين على الأريكة باستنزاف تام، تفرك جبينها بتعب يتملّك جسدها كله.
مدّت يدها بهدوء، ملتقطةً إطار صورة موضوعًا على الطاولة الصغيرة بجانبها.
رمقتها بحب وحنين واشتياق جارف يمزّق ما تبقى من قلبها.
صورة جميلة وهادئة تجمع والديها سويًا، يُحيطهما دفء عائلي يشعّ من اللقطة القديمة.
"يا ليتكما كنتما معي."
همست بداخلها بصوت مختنق، كأنها تناجي أرواحًا غابت عنها منذ زمن بعيد.
يا ليت الزمن يعود مرة أخرى.
يا ليتني بقيت طفلة ولم أكبر قط.
يا ليت كل شيء لم يحدث.
انزلقت دمعة خائنة من عينيها المحمرّتين من كتمان البكاء طوال اليوم، تلتها دمعة أخرى... ثم أخرى.
حتى انفجرت عيناها الفيروزيتان بدموع حبيسة أُطلق سراحها أخيرًا، لتنزلق على خدّيها كأنهار صافية لا تتوقف.
وأخيرًا... إنها تبكي الآن.
لا بل صمدت طويلًا حتى أشفقت عليها عيناها، حتى لم يعد قلبها يحتمل المزيد.
فما أصعب أن يواسي الإنسان نفسه وحده في ظلام الليل.
انهارت كل حصونها دفعة واحدة.
انفجرت في بكاء عنيف يقطّع نياط القلب، بشهقات مرتفعة وأنين متعب من كل شيء.
فأقسى ما يصيب الإنسان هو أن يفقد رغبته في الحياة، تلك الحياة التي طالما تمنّى أن يحقق فيها كل ما يحلم به.
كل شيء أصبح الآن رمادًا باهتًا، فقد بريقه وجماله.
"فليس كل ما يتمناه المرء يُدركه."
همست الكلمات بمرارة، وكأنها تتذوّق قسوة الحكمة للمرة الأولى.
كم من أحلام رسمتها بألوان زاهية، فمحاها القدر بضربة واحدة وحوّلها إلى رماد.
صدق من قال هذا... صدق حقًا.
صدح صوت هاتفها بأرجاء الغرفة برنين عالٍ مزعج.
رفعت وجهها الذي احمرّت وجنتاه من شدة البكاء.
مدّت يدها نحو الطاولة بحركة آلية، ملتقطةً الهاتف لترى هوية المتصل.
وسرعان ما اجتاحت ملامح وجهها موجة من الاشمئزاز والغضب عندما رأت اسمه يلمع على شاشة هاتفها.
ألقت الهاتف خلفها على الأريكة بعنف، تكوّمت على نفسها، دافنةً رأسها بين ركبتيها، وأخذت تبكي بصمت مكتوم، متجاهلةً رنين الهاتف الذي لا يتوقف.
وما هي إلا ثوانٍ حتى أعلن الهاتف عن وصول رسالة.
رفعت عينيها الذابلتين، معتقدةً أن الرسالة قد تكون من جيلان التي بالتأكيد قلقة عليها، أو ربما من لوكاس الذي لا يزال بالخارج.
وهذا ما يريحها قليلًا... أنه ليس هنا معها الآن ليرى انهيارها.
لكن ملامحها تجمّدت، وعضّت على شفتيها بغضب شديد عندما قرأت محتوى الرسالة
"إيفلين حبيبتي، أنا آسف جدًا، آسف من كل قلبي. سامحيني عزيزتي، أرجوكِ. ردي عليّ. أنا حقًا آسف، لم أكن أقصد أن أجرحكِ هكذا. أعطيني فرصة لأشرح لكِ موقفي، أرجوكِ يا إيفلين. لا تغلقي بابكِ في وجهي. أنا بانتظارك."
وإلى هنا... انتهى كل شيء.
لم يعد بداخلها ذرة واحدة من القدرة على التحمّل.
استنفدت كل ما تملك من صبر، وأفرغت آخر قطرة من قوتها.
ألقت بهاتفها نحو الجدار بكل ما تبقّى لديها من غضب، فتحطّم إلى شظايا لا تُحصى، كأنه يمثّل كل ما تحطّم بداخلها اليوم.
ثم انفجرت بصرخة خرجت من أعماق روحها المعذّبة، صرخة حملت كل ألم لم تستطع البوح به:
ــــ آآآه!
ــــ أتمنى لو يحترق كل شيء! أتمنى لو تلتهم النار حياتي البائسة هذه وتحوّلها إلى رماد! لم يعد لديّ القدرة على الاستمرار... لم أعد أحتمل نفسًا واحدًا آخر في هذا العالم!
ضربت صدرها بقبضتها المرتعشة، كأنها تحاول انتزاع الألم من بين ضلوعها:
ــــ تعبت... تعبت من التظاهر، من الصمود، من أن أكون قوية! لم أعد أملك شيئًا... لا قوة، ولا أمل، ولا حتى رغبة في أن أرى الغد!
شهقت بصوت مختنق، وتابعت بصراخ مكسور:
ــــ لماذا كل من أحببتهم خذلوني؟ كل من وثقت بهم طعنوني في أضعف نقطة عندي. كل من أفتح لهم باب روحي وأثق بهم، يمزّقونني. لماذا يسحقونني بهذه الوحشية؟ ماذا فعلت لهم يا الله حتى يعاقبوني هكذا؟ أي ذنب اقترفته حتى أُعذَّب بهذه القسوة؟
شهقت بصعوبة، وصوتها يرتجف من الألم والانكسار:
ــــ أنا لم أُوذِ أحدًا قط. كل ما فعلته أنني أحببت... أحببت بصدق، وأعطيت بلا حساب، ووثقت بلا تحفظ. فلماذا يكافئونني بالخيانة؟ لماذا يتركونني وحدي أتجرّع هذا الألم؟
همست بصوت محطّم:
ــــ لم يعد قلبي يحتمل المزيد... لقد انكسر مرات كثيرة حتى لم يعد يعرف كيف يلتئم.
أمسكت بإطار صورة والديها، تُحدّثهما بألم وقهر شديدين، والدموع تنهمر على وجهها دون توقف:
ــــ لماذا تركتماني وحدي؟ لماذا رحلتما وتركتماني أواجه كل هذا بمفردي؟
توقفت، وأخذت نفسًا عميقًا مرتجفًا:
ــــ العالم قاسٍ يا أبي... قاسٍ جدًا يا أمي. لا أحد يرحم، لا أحد يهتم. كل يوم أصحو على ألم جديد، كل يوم أُصدم بواقع أقسى من الذي قبله.
ــــ كنت أحلم أن الحياة ستكون جميلة... أن الناس طيبون... أن الحب حقيقي. لكن كل مرة أصدّق، كل مرة أثق، ينهار كل شيء ويتركني وحدي ألملم حطامي.
همست بصوت خافت محطّم:
ــــ لكنكما رحلتما... وتركتماني أواجه كل شيء وحدي.
توقفت قليلًا، تلهث من شدة البكاء، ثم أضافت:
ــــ أنا أفتقدكما... أفتقدكما بشدة لا يعلمها إلا الله. أشتاق لكما حتى يؤلمني صدري من الاشتياق.
ــــ أحتاجكما الآن... أحتاج صوتكما، حضنكما، أحتاج أن أشعر أنني لست وحدي في هذا العالم.
ـــــ لو كنتما معي الآن... لو كنت أستطيع أن أضع رأسي على كتفكما وأبكي فقط، لكان كل شيء أسهل. لكان الألم أخف، والوحدة أقل قسوة.
صمتت قليلًا، تمسح دموعها بظهر يدها المرتعشة.
ثم أضافت بصوت أكثر هدوءًا، لكنه أكثر ألمًا:
ــــ الآن فهمت لماذا لم أستطع البكاء في ذلك اليوم... كل تلك الدموع، لا بد أنها تحوّلت إلى كتلة متحجّرة أخذت مكانًا ما في عقلي، تضغط عليه كل يوم.
احتضنت الصورة بقوة، كأنها تحتضن روحيهما، وقالت بصوت مختنق:
ــــ ماما... بابا... أنا سأموت خلال بضعة أشهر فقط. بضعة أشهر قليلة وسآتي إليكما. سأترك هذا العالم القاسي وآتي إلى أحضانكما الدافئة.
توقفت، وابتلعت غصّة مريرة قبل أن تُكمل:
ــــ لكنني... لكنني لا أريد أن أترك لوكاس وحيدًا. لا أريده أن يعاني ويتألم بعد رحيلي. أخشى عليه من تهوّره، من قراراته المتسرّعة. لا أريد أن يشعر بالوحدة التي أشعر بها الآن.
ارتجف صوتها أكثر:
ــــ أريد أن أطمئن عليه أولًا قبل أن أرحل. أنا خائفة... أنا حقًا خائفة من أن أتركه دون أن أطمئن عليه، دون أن أتأكد أنه سيكون بخير. من دوني.
اختنقت بعبراتها الأخيرة، ولم تعد قادرة على الكلام.
بكت بوجع شديد حتى ألمها قلبها، فوضعت كفّها المرتعش على صدرها، ضاغطةً عليه بقوة وهي تحاول التقاط أنفاسها، تحاول أن تُهدّئ من ألم قلبها الذي لم يعد يحتمل نبضة واحدة إضافية.
انهارت على الأريكة، محتضنةً صورة والديها بقوة، وكأنها تحتضن آخر ما تبقّى لها في هذا العالم.
اختنقت شهقاتها حتى لم تعد قادرة على التنفس.
شعرت أن الهواء يُسحب من رئتيها، أن الجدران تضيق عليها، أن الغرفة تبتلعها حية.
نهضت مترنحة، مهرولةً نحو سطح البناية، تبحث عن نفَس واحد نقي قبل أن تختنق تمامًا من كل هذا الضغط الذي عاشته طوال اليوم.
اليوم الذي كان الأسوأ في حياتها بلا منازع.
دفعت باب السطح بقوة، وانفتح أمامها ليستقبلها عناق الليل البارد.
استنشقت الهواء بنهم، كأنها غريقة خرجت لتوّها من الأعماق.
تقدّمت بخطوات مترددة نحو حافة السطح، واستندت بيديها المرتجفتين على السور، تحاول أن تستعيد توازنها، أن تستعيد قدرتها على التنفس.
رفعت وجهها ببطء نحو السماء، وعيناها الدامعتان تبحثان عن أي شيء... أي شيء يمنحها لحظة سلام واحدة.
كانت السماء صافية بشكل مذهل، كأنها لوحة سوداء مخملية رُصّعت بآلاف الجواهر المتلألئة.
النجوم تتلألأ بسطوع نادر، كل واحدة منها تروي قصة قديمة في صمت الكون الأبدي.
كان المشهد ساحرًا بشكل مؤلم، جميلًا بطريقة تجعل القلب المنكسر ينزف أكثر.
وفجأة...
بدأت الشهب تتساقط.
واحدة تلو الأخرى، كأنها دموع السماء نفسها.
خطوط ضوئية فضية تشقّ عباءة الليل بسرعة خاطفة، تاركةً وراءها ذيولًا متوهّجة تختفي في لحظات.
كانت تتساقط بكثرة غير عادية، كأن السماء تبكي معها.
أو... كأنها تستجيب لشيء لم تنطق به بعد.
لمعت في السماء كمصابيح أمل خافتة، وكأنها تناديها، تهمس لها:
"تمنّي... تمنّي ما تشائين."
وقفت إيفلين هناك، على حافة السطح، شعرها الطويل يتراقص مع نسيم الليل البارد، ودموعها تلمع على خدّيها تحت ضوء النجوم.
كانت تبدو كروح ضائعة، كظلّ باهت لإنسان كان يومًا ما يحمل الحياة.
نظرت إلى تلك الشهب المتساقطة، وصدح صوتها المعذّب، المختنق بكل شيء، حتى بالهواء نفسه:
ــــ أنا فقط... أريد أن ينتهي هذا العالم. أريد تدمير كل شيء... كل شيء يؤلمني، كل شيء يُذكّرني بما فقدت. أريد أن يحترق كل شيء ويصبح رمادًا.
توقفت، تلهث، ثم أكملت بصوت أعلى، صوت يحمل كل ألمها:
ــــ أجلبوا الهلاك! أجلبوا الدمار إلى هذا العالم اللعين الذي لم يمنحني سوى الوجع! أريد أن تنتهي حياتي... أريد أن ينتهي كل شيء!
سقطت على ركبتيها، تبكي بصمت مطبق، بينما الشهب تستمر في التساقط فوقها، أكثر وأكثر، كأن السماء سمعتها... وأجابت.
ظنّت أنها سترتاح حين أفرغت ما بداخلها، حين نطقت بأمنيتها المظلمة تلك.
لكنها لم تكن تعلم...
أن كلماتها لم تكن مجرد صرخة يائسة في الليل.
أن أمنيتها كانت نداءً خفيًا، فتحت عليها بابًا كان يجب أن يظل مغلقًا إلى الأبد.
لم تكن تعلم أنها للتوّ... استدعت شيئًا.
شيئًا لن يتوقف.
شيئًا لن ينتهي إلا بـ...
وظلّت هكذا... تبكي في صمت الليل الطويل، وحيدة، محطّمة، تنتظر فجرًا قد لا يأتي أبدًا.
****************
يتبع......